السعيُ بين وهم الشغفِ وصلادةِ اليقين.
كيف نسعَى ولماذَا نسعى قد يكونا أهمَّ الأسئلَة في رحلةِ المعنى والحياة.
قال ابن القيم:" اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون، وهو مع المحبة ركنان للإيمان، وعليهما ينبني وبهما قوامه، وهما يُمدان سائر الأعمال القلبية والبدنية، وعنهما تصدر، وبضعفهما يكون ضعف الأعمال، وبقوتهما تقوى الأعمال، وجميع منازل السائرين إنما تُفتتح بالمحبة واليقين، وهما يثمران كل عمل صالح، وعلم نافع، وهدى مستقيم"
من {مدارج السالكين} (2/397).
كثرَ الصياحُ لمدة عن الشغف وما يعنيه فقدانهُ وتزعزعه وتأثيره على حياة العامل والدارس والساعي ، وقد انجرَّ كثيرون نحو الاعتقَاد (وقد كنت منهم) بأن هذه النار السحرية إن خمدَت فقد تقهقر مستوى حياتك واضمحلت فرصُ الوصول لأهدافك لأنك ببساطة دون وقودٍ للمحرّك.
لكنّ أصغَر ملاحظاتنا لسيرة نبينا وتربيتهِ للصحابة والصحابياتِ والمجتمع الذي خرجَ به الإسلام الحقُّ لا أثر لهوس الشغف فيه، هل كانَت لهم محركاتٌ بالطاقة الشمسية أم أنّ الشغف قد يكون مجرّد وهم أو تلاعب نفسي حديث؟
أولا: اليقين والاسلام والإنسان.
ينشطِر الإنسان منذ الأزل لنصفين في تكوينه: مادته وهي الجسد الفيزيائي وما وراء مادته أي روحه.
لكن في كتاب الإسلام بين الشرق والغرب يشرحُ لنا علي عزت بيكوفيتش وباسهَاب وافي عن التكوين الثالث أو المسَار الثالث الذي منع النصفين الأولين من اضطهادِ بعضهما أو أسوأ تلاشي أحدهما أمام الآخر.
هذا المسار الثالث تجلّت جميعُ متطلباته من توازن بين المادة والروح إلى العمل على ضبطهما وهو الإسلام.
والإسلام يعتبرُ دينًا متكاملاً من حيثُ اعتنائهِ بالجسد والروح فالصلاة مثلا وهي عمادهُ تمثّل إعمالا لكلاهما، فأنت تخشعُ روحيًا وتؤدي طقوسكَ جسديًا، لكنك قبل هذا الخشوع والسجود وقبل أن تبدأ حتى هناك خطوةٌ مهمة تكاد لا تُستثنى من أي عبادة بل هي البادئة في الدين: النية.
(لن نعرّف النية لكنني سأنتقل مباشرة لأهميتها هنا)
أنت تنوي الصلاة والصيام، والعمل صالحًا والتصدق، تنوي قيام الليل وتنوي الدخول للإسلام.. إنّك تنوي لأنك تؤمن. هذا ببسَاطة مغزاها ومعناها أن هذه النية، الحقّة الخالصة لوجه الله هي أكبر تجلي لليقينِ به وبقدرته وحكمته وجلالته.
إنك تستلم للخالقُ وتعلمُ أنه الحقُّ لأنك على يقين بوجوده، دون أن تراه، وتعملُ بما جاء في كتابه وسنة نبيهِ لأنك تصدّق بحقيقته.
درجاتُ اليقين:
واليقين على ثلاث مدارج نشرحها بقول العلماء وتفكّرنا فيه أنها:
يقين خبر:
سكون القلب إلى خبر المخبِر، وتَوَثُّقُه به وتصديقه له.
يقين دلالة:
وهو أعلى درجة من الأول لأنه ناجمٌ عن استدلال، وهو أن يقيم له مع وثوقه بصدقه: الأدلة الدالة على ما أخبر به، وهذا نراه عادة في مواطنِ الإيمان والتوحيد وحتى القرآن، فالله سبحانه وتعالى أصدق الصادقين، يقيم لعباده الأدلة والبراهين ويعطيهم الأدلة على صدق ما يُخبر به، فيتحصّلون اليقين من الوجهين: من جهة الخبر، ومن جهة الدليل وهكذا يرتفعون من ذلك إلى الدرجة الثالثة.
يقين مشاهدة:
ويقال يقين المكاشفة بحيث يصير ما أُخبرت به قلوبهم كالمرئي لعيونهم، فنسبة الإيمان بالغيب حينئذ إلى القلب كنسبة المرئي إلى العين.
وهذا أعلى أنواع اليقين، وهي التي أشار إليها عامر بن عبد قيس في قوله: لو كُشف الغطاء ما ازددت يقينا. وليس هذا من كلام رسول الله ولا من قول علي كما يظنه من لا علم له بالمنقولات.
المصدر : “مدارج السالكين" (2/400)
فعل اليقينُ والإيمان في تقويةِ قلب الإنسان:
إن اليقين هو أدراك وجداني وعقلي على السواءُ بالحقيقة وتصديق كامل يتلوه استسلام لماهيتها، في الإسلام هذا الاستسلام هو جوهرُ المؤمن وكل ما يعنيه أن تكونَ مسلمًا حقًا لأنه -كما قلنا فوق- كل عبادة تبدأُ بالنية لأن اسلامكَ يبدأ بيقينك وإيمانك التام بوجود الله وقدرته والإيمان بقضائه وقدره والنية هي تجديدٌ يقيني تخصيصيٌّ للعبادات.
كلما زاد الإيمان زاد اليقين.
وهذه الزيادَة تعني أنك تؤمن بأن الله سبحانه وتعالى بيده مفاتيح كل شيء فلا تهولك المهولاتُ ولا تنغّصك المنغصَات لأن العيش والموت كله لله، فاليقين ينزعُ غمّ الدنيا لأنك تؤمن بفنائها وينفي كدرَ الشكّ والسخطِ لأن وجدانك يرحبُ في جنان الإيمان بالحق.
اليقين يمسحُ عن قلب العبد خوفهُ وضعفه ويستبدله بالخوفِ من الله سبحانه والرضى بدينه، بقلبِ لا يزاحمُ فيه الإيمان لا يعودُ للمسلم مساحةٌ كافية لمشاكل كالتفريط والإفسادِ وهول التفكير بالدنيا والارتياب، بقوةٍ قلبية وجدانية تجمعُ بين الروح والجسد لا يعود لصاحب الروح سوى أن يستذكرَ في كل صعب أو سهلٍ أن ينيب إلى الله فيتوكّل عليه.
ولا.. لا يتحققُّ هذا سوى باليقين بالله ولا شيء غيره لأن كل ما هو غيره زائل وكل متغيّر فيه شكٌّ ولا يمكن أن يكون هناك علمٌ يقين تعارضهُ شكوك لأن اليقين لا شكَّ فيه.
ثانيًا : اليقين » التوكّل ≈ السعي
{{ إيّاكَ نعبد وإياك نستَعين. }}
إن سؤال: لماذا وُجدنا؟ وما المعنى من وجودنا ؟ قد أجيبَ عنه في بادئة القرآن وفي بادئة الإسلام لأن الله عز وجلّ يبتغي لنا إيمانًا كاملا قبل دخول دينه، هذا الإيمان لا يكون سوى بالألفة في روحك التي تجدُها بإيجاد معناك.
لقد خلقنا الله لنعبده، ورغم بساطة الجملة والآية إلا أن فيها أسرارا ومعانٍ تشملُ جميع أوجه الحياة، لكن ما رافقَ آية العبادة لله كان الاستعانة به ونحنُ هنا بصدد فهم العلاقة التي نظنُّ دومًا أننا نفهمها. ( خطأ ، مهما فهمت من القرآن سيظلُّ هناك مزيد.)
يذكرُ الله سبحانه وتعالى أهل اليقين في عدة مواقعٍ من كتابه الكريم فينسب لهم الانتفاعَ الحق ببراهينه وآياته فيكونُ لهم العلم يقين خبر ودلالة حتى المكاشفة على هذه الآيات ورؤيتها كائنة حقيقة تعودُ لكون اليقين روحَ أعمال القلوب والجوارح سواء كما قلنا. وسبب إقبال العبد على العبادة.
كيف يكُون اليقين روح أعمال القلوب والجوارح ؟
لأنه يولّد في نفس الإنسان إذعانا خالصًا لخالقه بحيثُ لا يبدأ له عمل ولا ينتهي إلا بالاستعانة به، وتكون الإستعانة بالتوكل على الله والذي لا يكونُ إلا نتاجَ قوة اليقين به، وهذا دليل ثباتِ القلب وهذا من اليقين وثبات الفعل وهذا من التوكّل لأن لا بد أن تأخذ بالأسباب أثناء السعي.
إنها كمعادلة تبدأُ بإيمانك ثم يقينك الذي يستلزمُ توكلك على الله والذي يساوي تقريبًا سعيك أو لنقل غرضك من هذا السعي.
ثالثًا: إذًا كيف نسعى ولماذا؟
أما “لماذا؟” فهي تخصُّ معنى وجودنا لأننا خُلقنا لنعبد الله وذلك بالسعي لرضاه والعمل في كنفه وما تقتضيه مهامنا من خلافة الأرض وهذه مسؤولية أكبر وأعظم من أن تجلس ساكنا يتلاطمك الغم والحزن ويتآكل عقلك وقلبك بالتفكير في المستقبل ، لأن الماضي والحاضر والمستقبل بيد الله..
أوجه الزمن الثلاثَة تلتفت صوبَ طريقكَ لو تيقّنت أن كل ما حدث ويحدثُ له معنى وهذا المعنى لا تحصُل عليه سوى باليقين يملأ قلبك وجوارحك فتتحرّك وتتفاعل مع الكون.
وأما “الكيف؟” فهي كل ما كنا نتحدّث عنه منذ البداية، ونلخصها خطوة خطوة كما يلي:
فهم التوكّل واليقين فهمًا صحيحا: وإننا نقول دومًا أن كل العلم وكلّ الإسلام يبدأ من القرآن وفهمه وتدبره فهما صحيحًا، ثم يكون اليقين به والإيمان بخالقه فتتفاعل القلوب والجوارحُ، إن الفهم لا يكون نظريًا فقط بل تطبيقيًا ، هكذا تضمن تجربةً كاملة ونتيجةً لا بعدها شك.
السعي والتوكل: اليقين هو ثبات القلب على الحقيقة، أن الله معنا وأنه الرازق والواهب والمانع. التوكل هو العمل بيقين أن الله عز وجل سيحقّق الرجاء أو يبعد بمنعه البلاء. وذاك ما يحصُل للساعي، فهو إما يعمل آخذا بأسباب التوكل فيصل ويحمد بعد يقين، أو يتعثّر فيحمد الله بيقين أنه يقيم له سعيه، أو لا يحصل على هدفه فيقف ويتيقّن أن ربه قد أجاره من كرب لا يقدر هو عليه.
حقُّ اليقين: أن تسعَى وأنت توقن بقلبك أن الله لايخيّبك مهما حلّ فتعمل كأنك ترى النتيجة.
رابعًا: أين الشغف؟
غير موجود..
إليك نظريتي:
إن كانَت الحقائق تعتمد على الثوابت التي لا شكَّ فيها فأنت أمام وهمٍ مضخّم وضعَ كسبب يؤخذ كأي سبب آخر عند حاجتك إليه. إن عملت بكدٍّ فأنت شغوف والنار السحرية توقدُ بك..
إن لم تعمَل فقد انطفئت والسبب ؟ انعدام الشغف..
تكادُ تلقى هذا الجواب من أي شخصٍ اليوم اكله التسويفُ والإرهاق والتعب، أو كدّرته المثالية ونهته عن العمل، أو كبّلت يداه ظروف قاسية..
لكن قول “فقدت شغفي” تعتبر الشائعة مؤخرا (ترند) وقد ابتلعنا جميعًا هذا الطعم، لأنك بمجرد أن تفكر به أو تقوله يصبحُ واقعًا.. ليس لأنه حقيقي بل لأنك تحتاجه أن يكون.
هل حقًا الشغف غير موجود؟
ما قصدته فوق هو ليس استخفافًا بالشغف بل تقليصًا لدوره عن الشمولية، أنت لو تتحرّك وتأخذ بالأسباب وتتوكل على الله في أي عمل كان وبدايته لنهايته توقُن صدقًا أن النتائج كلها، مهما كانت أو طال زمنهَا فهي خيرٌ لك لأنها من عند الرازق.
تفكيرك الذي يتغذَى على نقاط ضعفك وعقلك الذي يملأ الفراغات الناجمة عن شروخِ اليقين وتسربه بعيدًا عن قلبك - التي يملؤها بالانعدام الرضا والتسويف وتأجيل الحياة والتذرّع بأوهام وحجج متداخلك متنافرة..
كل هذَا سيتناقصُ ويضمحل لضئالته وضئالتك أمام ربوبية الله وألوهيته وقدرته.
فالعلم بالله يعني النظرَ إليه في كل شيء، والرجوع إليه في الأمور والاستعانَة به في الأحوال، وإن وضعتهُ نصب عيناك صعبَ على جسدك أن يسكن دون حركَة وعمل وكدّ لأن العبادة ولأنها المعنى ولأنها الأصل والتوكّل هنا أداة كل هذا.
وصعُب على روحه التقلّب والاضطراب، فهي تسكنُ لحضور خالقها فيها وفيما حولها فتتفاعل مع الأشياء وتحرّك السواكن.
الثنائي كنوَاة قلبها ساكن متماسكٌ ثابت وخارجهَا متحرّك متّقدٌ بالحياة حاملٌ لشراراتِ السعي فيما خلقه الله له.
هل ما زال الشغفُ أهم محرّكات سعيك في الحياة؟


﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
اليقين يزيد المؤمن إيماناً و ورسوخاً
ويجعله مطمئن النفس ،قوي العزيمه ،ثابت أمام المحن و الشدائد .
اللهم زدنا يقيناً و ثباتاً
مقاله رائعه مره استمعت وانا أقرأها
أحسنت النشر ❤️
ابغى اشكرك على هذا المقال لانه غير لي وجهة نظري جذريا في نواحي عديدة تشمل حقيقة انو النية هي الي بتخلينا كعباد اننا نقوم بالعبادة و انو اليقين و التوكل على الله هو الوقود الحقيقي لحياتنا الفانية 🩷