سيكون هذا المقال -إن أمكن اعتباره كذلك- بمثابَة خواطر وأفكار أود مشاركتها لمساعدة مستخدمي هذا التطبيق أو غيره على اكتشافِ منحدرٍ اسميه “ الاحترَاق الانتاجِي”.
لنتصوّر آلةً تعملُ باستمرار على صناعةِ منتجٍ ما، إضافة لذلك سيكون لديها موعد محدد للتسليم ومعايير جودة لأخذها في الاعتبار.
ستعملُ هذه الآلة على تحقيق الإنتاج لمدة طويلَة، لكنها ستحتاجُ صيانة دورية، تارة بسبب الأسلاك الداخلية، تارة بسبب المحركات، تارة لأنها تأثرت بالعوامل المحيطة بها…
ويومًا ما لا قدر من الصيانة سيكفي اصلاحها..
جميعُنا نشبه هذه الآلة، الفرق الوحيد هو أننا في حال أسوأ منها!
محرقةُ الإنتاجِ و الإستهلاك:
لم يجهّز دماغنَا لاستقبال هذا الكمّ من المعلومات كل دقيقة من كل يومٍ وطيلة حياتنَا، ولم نصمّم نحن لنكون آلات حفر ونقل وصنعٍ في شخص واحد.
إن طريقة سير العالم اليومَ تكيِّل الفرد بمكيال انتاجيتهِ وعمله ونفوذه، وهذا الثالوث هو أكبرُ لعنة حلّت بسبب الرأسمالية وكل الأنظمة والأجندات التي تبعتها أو أدت إليها.
أي تطبيق اليوم يعرضُ باسهاب إنجازات الأفراد الأهم والتي تصنّف بذلك حسب عدد الإعجابات والوقت الذي قضاه غالبية الناس في مشاهداتها ومشاركتها.
المشكلة ليسَت في الإنجاز الفردي بل في أثره وهو يتحوّل لمشهد في تطبيق يربطُ العوالم.
ما هي هذه العوالم؟
إنها الفروقُ بين فئات البشرية، مهما كانت، ثقافيًا دينيا عمريًا، طرق سير كل مجتمعٍ وكل عائلة، الفرق بين الذكر والأنثى وما يمكن لهذا أن يحدّد من اختلافٍ في حياتهم ومساراتهم..
إنها عوالمٌ كاملة تصادمت وامتزجت بفعل الانترنت وما فتحتهُ من أبواب لاختلاس النظر على مراحل عمرية وثقافاتٍ وأفراد ومعلوماتٍ هائلة، مرعبة حتى إن ركزت بتمعن أكبر، وهذه الأبواب في تطوّر مستمر وتكاثر: إنستغرام، تيكتوك، تويتر الذي أصبح اكس، تطبيقات الذكاء الاصطناعي..
“كلها مصممة للاستحواذ على أكبر قدر من انتباهكَ وطاقتك”
ستسمع هذا كثيرًا لكن هل تستوعبه حقًا؟
هذه التطبيقات مصممة بطريقة سهلة الاستخدام لدرجة أن العقل -الذي يميلُ لحفظ الطاقة- على التعوّد عليها، مع مرور الوقت وتكرار الفعل تتحول هذه العاداتِ لمصدر سعادة لحظية مكررة يعتقد العقل أنه بحاجتها.
لهذا يتغير المحتوى مع مستوى اعجابك ووقتك.
أنت تمنحه طرقًا لإبقائك في هذا العالم المبني على أعلى توقعات، أفضل المعايير، أرقى المطاعم وأفخم السيارات وأغزر الإنتاجيات وأغلى الملابس والاكسسوارات وأنواع المكياج وأمتنِ العلاقات وألمع العقول وأحنك الألسنة و…!
لا نهاية لهذا.
لكن إن تبصّرت بين شقوق الصور والفيديوهات، بين الجمل والعبارات والرقي، استمرار المحتوى الذي يبدو وكأنما فاصل عظيم بين حياتك والحيوات التي تشاهدها خلف الشاشات، ستكتشف أن ما تستهلكُه مجرّد حرقٍ لمسلسلات حياتهم..
أنت ترى اللحظات الأهم، لا كل اللحظات. أنت مدعوٌ للحفلة لا لمراحل التحضير وما بعد الحفل. أنت تشاهد الهايلايتز.
وهذا يسبب تشوشًا لنظرتك لحياتك لأنك لا تعيش اللحظات الأهم كل يوم.
ولا يمكنك انتاج المحتوى مرتين يوميًا أو عشر مرات في الأسبوع ولا ليس لديكَ ما يكفي لملأ “الستوري” ولا تقرأ خمسين كتابًا في السنة ولا يمكنك السفر كلمًا شعرت أنك تحتاج بداية جديدة.
أنت محبوس في محرقة الإنتاج والاستهلاك، وجلادك ليس مالكوا الشركات الكبرى ولا الرأسمالية ولا حتى مقدمي المحتوى..
أنت جلاّد نفسك وسجانها.
الصيانة قبل العطب:
منذ سنوات وقبل أن اكتشف أهمية هذه الصيانة، كنت أمضي اليوم كاملاً أتصفح التطبيقات، كل أفكاري وآرائي وانتاجيتي كانت موجهة للتويتر أو ستوريات الانستغرام، كان البقاءُ بعيدًا عن الهاتف بمثابة مخاطرة في رفعِ الأمور التي يجب فعلها في حساباتي لأن بمجرد أن أعود كان علي الرد على رسائل لا تنتهي وتعليقات تصل المئات في أحد التطبيقات، وكان علي الانتباه للأخبار التي فاتت في تطبيق آخر، دون ذكرِ المستجدات فيما يتعلق بآخر ترندات، ناهيك عن الوقت الضائع في تصفح لا نهائي (doomscrolling) لمحتوى كل تطبيق.
مع مهام الحياة الحقيقية ومللها أصبح من السهل الاعتياد على العيش في اللاواقع، الدوبامين الرخيص الناتجُ عن الإعجابات والتعليقات والإنتاج الإبداعي المستمر!
آه الساعات والأيام التي تمضيها في ذلك لا يمكن الشعور بطولها حتى تصلَ لنقطة واحدة: العطب.
يوما ما توقف كل شيء، رغبتي وطاقتي وأهمية الأمر بالنسبة لي.
كانت هناك عدة عوامل بالطبع لكن أهمها والذي اعتبرته لمدة طويلة السمُّ الذي لم اتخلص منه حتى اليوم هو : أنني استنفذت في وقت قصير كل ما يمكنني أن أمنحه من قدرة عقلي وروحي على الاستهلاك والانتاج.
لقد احترقت كليًا لمرحلة وجدت من الصعب صيانتها وعلاجها لسنوات أخرى.
وابتعدت عن كل شيء لدرجة الاختفَاء الكلي.
الآن وبعد حربٍ مع ذاتي وعودة من نوع ما، أصبحت الصيانة الدورية لهذه الآلة أهم من ما تنتجه.
إنني اختفي دوريًا وبحسب الحاجة لأمنع نفسي عن سهولة الاعتياد، وعواقب الاحتراقِ من منح ما انتجه ومن الامتلاء بما استهلكه.
ولست اكتب هذا كتكرار لما تجدونهُ يقال دوما عن ترك السوشل ميديا وما إلى ذلك لأنني أدرك صعوبة إلى استحالته دون التعرض لأثره الوخيم أولاً، لكنني هنا لأعرض حلاً بسيطًا واحدا:
اختفي..
ماذا عن التطبيقَات الهادفة والمفيدة؟
قبل مدة لاحظت تقهقر العديد من مستخدمي التطبيق، تحديدا أفراد كانوا نشطين لدرجة النشر يوميًا.
أحدهم كان قد تراجع كليًا ووجدت نفسي أسأل عن أحواله رغم معاملتي الرسمية البحتة لهذا التطبيق، وقد كان شكي في محله.
لقد احترق ذاتيًا من كثرة الانتاج والاستهلاك، والشعور بالذنب لذلك كان من أسوأ ما شعرت به لما حلّ بي ما حل من سنوات لذا اخبرته أن لا بأس وأن الآلة اعلنت أنه وقت الصيانة.
الآلة ستقوم بإيقاف كلي دون مشورتك إن لم تقم أنت بالصيانة الدورية، لا يعمل العالم اللاواقعي كالواقعي، لا يمكنك النوم فقط والاستيقاظ والذهاب للعمل مجددًا لأن سجين تام.
حتى تطبيق سابستاك المفيد وما شابهه لا يمكن نزعه عن التصنيف، لأنه ما دمت تنتج وتستهلك ستظل في احتراق مهما كان المحتوى.
بالطبع ما تتعلمه هنا قد يكون أفضل، لكنه نفس نظام الكفاءات والمهارات والإعجاب، ما دام هناك مقارنَة واعتياد سيكون هناكَ دوما سمٌّ مدسوس في العسل.
العزلة الحميدة:
لا أدعي أن فترات اختفائي مثمرة ولا أنني لا أختلس النظر للتطبيقات، لكنني أحاول عزل نفسي قسريا عن كل التأثيرات الكبرى التي يمكن أن توقع علي شرارات الاحتراق، وهي مهارة تحتاج قناعة تامة ومبادىء.
لا أقرأ كل كتبي ولا أشاهد كل مسلسلاتي ولا أكتب كل فصول رواياتي وبحوثي، ولا أنهي المهارات التي أريد التمكن منها.
لكنني أحاول..
لأن طاقتي الآن لا تُهدر في المحرقة، فهي تنفعني مباشرة في كل ما يمكن له نفعي.
والعودة للواقع ليست سيئة كما يعتقدُ الجميع، إن مظهر الحياة التي حشرتها تطبيقات السوشل ميديا في حلق المجتمعات ليست هدفًا واقعيًا ليصل إليه الجميع، رفع المعايير جيد لكن العودة للواقع تحقّق التوازن.
لتكون ناجحًا عليك أن تحمل المتشاؤم والحالم على التعايش معًا.


غريب إنو كلما دفنا المتشاوم وحاولنا فقط نميل للحالم نلاقي المتشاوم يسيطر أكثر وأكثر على حياتنا.
شكرًا على المقال، أعتقد إني فهمت وش أكثر شي أحتاجه 💚
اكثر مقالة احتجت اقراها اليوم.. شكرا💜