هوس الخلود وسُلطة الجانب الحسي والجمال على جوارح الإنسان.
نظرةٌ أقرب على/ عبر رواية: اللوحة الشخصية لدوريان غراي
ومالذي تبوح به عن سعي الإنسان نحو الكمال والجمال والتضحية بالضمير والأخلاق لأجل اللذة الحسية اللحظية ( الفلسفة الهيدونية؟)
قبل كل شيء لنعتبر مفهوم الجمال هنا واسعًا بحيثُ يشمل الجوانب الحسية والنفسية والمادية وما بينهم، كما لا نتجاهلُ نسبيته والأحكام عليه.
تحذير: هناك ذكر لمشاهد من الرواية.
لم أُدخِل هذا المقال عليكم من باب تحليل الرواية بل قلت أنها “نظرة مقربة” ستكشف لنا أجوبة لمجموع الأسئلة التي كنت قد طرحتها أول صفحات الرواية. اعتدت مشاركتكم بعضها هنا أيضًا.
ولكنني لم أجد أجوبة أثناء قرائتها ولا بعد ذلك، بل احتجت للفهم مدة من الزمن تلت ذلك بشهور وبعدة كتب ومحاضرات لا أدعي أنها ذات صلةٍ بصورة دوريان غراي كرواية ولكنها تشعّبت واتصلت ببعضها تبعا.
إذا ما هي هذه الأسئلة؟
هل الجمالُ نعمة أم نقمة؟
بدأت بهذا السؤال لأنّه له معنى في مطلع الرواية حيث يمثل دوريان غراي براءة الصبي وجمال الشاب اللتين ام تخدشَا بعد ولم تلوّثا بالعالم الخارجي أو الداخلي للفرد، نموذجٌ مثاليٌّ كان عن اتحاد الجمال والشباب والأخلاق، فتى واعدٌ بالنجاح في مجتمع فيكتوري يقدّس النسب والمظهر -وقد امتلك كلاهما.-
هذا ما جعله يستحوذُ على خيال الرسام باسيل الذي يقدّم لنا كمهووس، فنان يجدُ المعنى فقط عند رسم هذا الوجه بديع الجمال.
واللورد هنري الذي سيلعب دورًا مهماً في تحويلِ هذه العلاقة وكذا الشاب الجميل للعنة على كلاهما.
ودون اِسهاب: يتسبب جمالُ دوريان الآخاذ في هوس الناس به ورغبتهم في التحكّم به، استغلاله حتى أو معاملته كغرضٍ يجب التمتع بأصغر ما يمكن الحصول عليه منه. هذا التودّد ورغم ما يبدو من حب سطحي يخنقه تارة ثم نشاهده وهو يتحوّلُ لشعوره بالوحدة والانعزال.
يمكنكم قراءة مقال سابق لي بعنوان: أثر الجمال النفسي على الفرد: نظرة تحليلية.
كيف يخلِّدُ الفن الجمال ويقدّسه -كملجأ أخير للهرب من الموت/ العدم المحتّم؟
تعتبر اللوحة التي رسمها باسيل لدوريان من أهّم لحظات ورمزيات الرواية، يقول أنه وضعَ كل طاقاته وكل ذاته فيها، حتى روحه عملت عليها معه، هذا الإفراط في دسّ ذات الفنان في فنه هي فكرة يناقضها ويعارضها الكاتب في بداية الرواية في البرولوج، توجهه الاسطيقي وقتها ظاهر في مغزى الرواية.
بعد أول محادثة بين لورد هنري ودوريان يبث اللورد مبادئه الهيدونية في الفتى بعد أن تلاعب بخوفه بل ويمكن رؤيته وهو يزرعه فيه من العدم، الخوف من انقضاء جماله وشبابه بعد كمية صغيرة من السنين، وتحوله لشيء بشع لا نفوذ وسلطة له على الآخرين.
وهنا لا يمكنني تجاوز الخديعة! هنري لم يكن شابا وهو يبخُّ هذا السم في رأس دوريان، وهو يحكم قبضتهُ على رأسه ويبسط تأثيره في نفس الشاب التي لا زالت تتشكل؟
هنري زرعَ وهمًا داخل دوريان سيؤدي به للهوس والهاوية.
تلك المحادثة جرت وسطَ مناظر طبيعية تدرُّ الرغبة بالعيش في حضرة الجمال دومًا وأبدا، ثمَّ نرقبهما عائدين لرؤية اللوحة بعد آخر اللمسات، دوريان وآثار ما زرعه به هنري لا تزال يانعة في عقله وروحه يدخلُ في نوبة حسية درامية (مبالغ بها من وجهة نظري) حول مدى جماله داخل اللوحة الذي سيظل تذكيرا له بما خسره من شباب وحسنٍ بعد سنوات وهو تماما الخوف الذي بثه فيه هنري، ويتمنى في خضم بكائه وعويله لو تحمل اللوحة عبء الزمن والخطايا عنه بينما يعيش هو شابًا وحرًا للأبد!
هذا المشهد كان مرآة عاكسة لحقيقة واحدة، روحٌ خائفة من الجمال الفاني لذاته، روح يتعهّد بها دوريان للعالم لو يمنحه هذا الخلود مكان اللوحة.
لو يخّلد الجسد بدل الفن، لأنه يعلمُ أن الأعمال الفنية حاملة مناراتِ الجمال والإبداع ستبقى للأبد بينما سيفنى كل جسد مثّلته وكل فنان صنعها.
وهو الذي قيمته قد رُبطت بجماله الخارجي لا الداخلي لم يستطعِ سوى منحِ روحه لأي شيء يقبلُ منحه شبابا خالدا.
هنا نلاحظُ اندلاعَ نار الهوس بخلود الجمالِ في نفس دوريان الشابّة وهي رغبة موجودة في أعماق الإنسان مهما حاولَ دحضها..
لأنه لولاها لما التفتَ الإنسان البادىء لرسمِ المناظر والأحداث على كهوف الدغل، ولا ترنّم وتغنى للمجهول في ليالٍ حملَت له ريحَ المغزى وسؤال الوجود، ولا ابتدعَ نقوشًا وجماليات يضعها في تفاصيل أدواته وحياته، لقد أراد الإنسان دومًا أن يحفظ ذكراه مخافة أن يطوَى في النسيان، وكان يجب أن تثيرَ بهاءا في من يراها من بعدهِ فأحب الإنسان تخليدَ كل ماهو جميل أو تحسين كل نقيضٍ له.
ثم انفجرَت هذه الظاهرة في عصر اوسكار وايلد فوضعَ فلسفاته في روايته الوحيدة.
هل الجمالُ والفن مفاهيم نسبية يمكنُ إقامة علاقة طردية بينهما ؟
في بداية الرواية لا يمكنُ لأي كان تفويت تقديس باسيل الفنان/ الرسام لدوريان وهوسهُ به ككيان جميل يلهمه للرسم،بل إنه يبالغ حد أن يدّعي عجزهُ عن تقديم أي فن حقيقي إن لم يكن دوريان موضوعه.
سنرى لاحقًا أن هذا التقديس كان سببًا في تدهور دوريان نحو القاع.
لقد رسم باسيل لوحاتهِ واضعًا داخلها كل عنفوانه فقط لتقديس جمال دوريان واستمراريته لكن اللوحة الأخيرة والتي أخذت منه لبه كانت سببًا في انسلال دوريان من براءة الصبا، وانكسار كماله الذي يقدسه باسيل نفسه..
هذا التناقض ليسَ اعتباطيا فقط تعمد الكاتب لعن دوريان بلوحة الفنان الذي أعطى مغزى لفنه وادعى له المعنى والغاية لأن الكاتب كان ضد هذا التوجه في ذلك العصر وهو أحد جوانب نزعته الاسطيقية.
لكنني أعارض هذه الفكرة تماما، الفنّ بالنسبة لي له غاية وإن لم تكن غايته سامية بالنسبة لصانعه على الأقل فهذا ليس فنًّا بل هوى متشكلاً على شاكلته، وقد ذكر الكاتب ما يدعم فكرتي في البرولوج لكنه يدحضها بطريقته الملتوية.
الجمال يثير النفس الإنسانية بطرقٍ معقدة، يثير فيها الحب والعنف والبغض والخوف وجميعها مشاعر متضاربةٌ تلخّص الإنسان كفرد وجماعة.
لا أدري كيف يدعم الكاتب مبدأ الفردانية في روايته ثم يشير إلى أن الشخصية الرئيسة التي عملت بفردانيته قد عانت وتدهورت لكنه دون شكٍّ لا يتركُنا دون رؤية الجمالية في الأمر (وهي النزعة المهيمنة طيلة القصة) وهنا توقفتُ مبتسمة لأنه مهما حاول نزع عبء المغزى والمعنى عن كاهل الفن ودعوته للكفِّ عن تحميله أي نوع من المسؤولية هو في ذاته مغزاه من الرواية والعبء الذي حمّلها إياه.
النقطة المحوريّة في الرواية:
قصة دوريان غراي وسيبيل فاين الممثلة.
اعتبرتها كذلك (دون الاطلاع على آراء المختصين) لأنها ببساطة كانت النقطة الحاسمة في تحول دوريان حقيقةً وليس مزاجًا أو مجازًا. وترى في هذه الجزئية كلا الجانبين منه وهما يتحدثان بطريقة أقرب للجنون منها للعاقل أو متذوق الفن.
ما الذي حدث؟
إذًا دوريان بعقله وروحه التي سمحَ بالعبث داخلها من قبل اللورد هنري سفيرِ الهيدونية في الرواية، قد استحال لمرحلة تمهيدية بين الانخراط كليًا في هذه التعاليم وبين عالمه المثالي الأولي (العالم الذي وجده باسيل فيه واستعمله كأداة ومعنى حيوي للوحاته)
يتخبط دوريان قبل أن يتصادف مع ممثلة شابة بديعة الحمال تدعى سيبيل فاين وهي في بداياتها لم تُعرف بعد تمثل في مسرحٍ ميسور الحال من الطبقة العامة.
يصفُ دوريان بنزعته المبالغة للدراما كيف وقع بحبها وعنفوان شبابه يتحدث عنها كمعجزة في التمثيل، يصف أدوارها دون أن يتطرّق مرة لذاتها، يقدّس تمثيلها ومظهرها دون اكتراثٍ حقيقي لما تكونه سيبيل حقّا وينجح في استمالته لحبه.
لقد لعب دور الأمير البطل بالنسبة لفتاة من العامة وووسامته غطّت على قبحِ حكمه عليها.
وفي ليلة يأخذ صديقيه لمشاهدة عروضها، تفشل سيبيل في تقديم مستواها المعتاد الذي وقع في حبه بسبب فرطِ حماسها للحياة التي وعدها بها، تقديسه لفنّها الذي اوقعهما في حبٍّ مشوه أفقدها الغاية من الفن، ثم فقدَ دوريان رغبته بها تباعًا لأن كل ما كانت سيبيل له،التمثيل والجمال والفن والشباب والعبقرية؟ كله تم العبث به فتشوه في نظره.
وهذا نفسه ما حدثَ معه هو طيلة الرواية.
تؤدي ردة فعل دوريان تجاه سيبيل وانفصاله عنه لانتحارها لاحقا، دوريان بدلَ أن يشعر بالذنب يصفُ للورد هنري كيف أن هذا الفعل الوحيد الذي سيتذكر به سيبيل فهذه الدرامية في نهايتها تشبهُ أدوارها المسرحية، هذا عزائه الأخير في حبه؟
تمحور انتحارِ سيبيل حول دوريان (والذي لا يعرفه كثيرون) غذى شيطان غروره فانعمى عن الشعور بالمسؤولية تجاهه، وانبلجَ ضميره واضمحل.
ليلتها يلحظُ التغيير على اللوحة، ابتسامة خبيثةٌ على وجهه في اللوحة كمرآة لتشوه روحه بالخطيئة. مرعوبا يحاول تغطيتها فلا يجدُ سوى قماشًا يوضع على الموتى (أو لتوديعهم بحثت لكنني لم أجد مصدرًا ثابتا) كرمزٍ على أنه يدفن روحه وضميره.
سيدفنها لاحقًا للذة الحسية اللحظية متخليًا عن تعذيبات الوجدانِ متأثرا بالكتاب الأصفر الذي سيهديه له لورد هنري حيث يصفه دوريان بأنه كتاب لا أخلاقي مدمّر لذاته، لكن تأثيره عليه يستمر لعشرين سنة.
نلاحظ هنا ثلاث مجالات فنية:
الرسم.
الكتابة.
التمثيل.
هل اعتبرها اوسكار أعمدة الفن؟ لا يمكن الجزم لكنه جعلها أعمدة وحيدته التي ستسبب السقوط الدرامي للشاب الفرداني الجميل ذو السلطة والمال والنفوذ في وسطه البرجوازي.
شيء يشابه حياته لاحقًا للمفارقة كتنبؤ بمستقبله.
في هذه الحالة الفن والجمال لهما علاقات سببيةٍ أي على أحدهمَا أن يكون نتيجَة للآخر دائمًا، لكنها ليست بالضرورة طردية، ولا يمكن القول إنها علاقة آمنة حتى.
لكنها حتمية وضرورية للبشرية وللروح الإنسانية ما يحمّل الفن مسؤولية الاعتناء بالتقديم والجمال مسؤولية الإنسان.
كيف يستمر الشبابُ إن كانَ النضجُ والتقدم في العمر هو ما يحملُ له مفاتيحَ الوعي بكلّ وجوده وأسراره ومفاتيحِ خلوده؟
اعتبر نفسي مسؤولة عن تقديم شخصية اللورد هنري قبل التطرّق لهذه الجزئية.
هل تخيلت كيفَ ستكون الشخصية الحقيقية لرجل أبيض انجليزي في العصر الفيكتوري من الطبقة العليا الغنية ذات النفوذ والمال والقدرة إن أضفنا له ميله للهيدونية وهي فلسفة اتباع اللذة الحسية دون التفكير في العواقب، هذه الشخصية لا تهتم بأي شيء سوى متعتها الخاصة الموافقة لرغباتها وكذا غرورها اللامحدود؟
وحشٌ لا يشبعُ من إثارة كل عائق ومشكلة، كيان يعيش على العبث بأرواح من حوله وتحويلهم لطريقه.
لا تخلو النظريات حول الرواية من فكرة أن اللورد هنري يرمز للشيطان الذي يُغوي دوريان غراي لحياة الخطايا، بالطبع لا يمكن سوى رؤيته وهو يخفض صوت الضمير لدى الشاب ويرفع من حساسيته اتجاه جماله وشبابه وقدرته فيرتفع تباعًا صوت الأنا (الايقو) ويتحول دوريان سريعًا لشخص نرجسي هيدوني ذو تأثير على غيره، وقد يتفوق التلميذ على أستاذه فقد تفوق دوريان بمحوِ أي أخلاق تعيقُ ميولاته للجماليات في كل حين وتذوقه الحسي للمتعة.
تستمر فصولٌ من الرواية في وصف تشتت دوريان وتنقله من هواية الى أخرى ومن فن إلى آخر ومن بلد إلى أرض، تارة يتعلم عن الحجارة النفيسة فيصبح آيقونة في ارتداء الحلي، وتارة يتعلم عن العطور فيسلبُ القلوب كل مناسبة، وتارة يبتاع أرقى الملابس والأقمشة والاكسسوارات والقبعات فيصبح رمزا للموضة وهوسَ كل صغير وكبير في وسطه البرجوازي.
يستنزفُ دوريان كل جهده ليشعر بكل ما حوله وينهلَ من الجمال الظاهري السطحي ويتكلّفَ في الحصول على المتعة حد البذخ، في نفس الوقت يحول كل من يقترب منه لأداة لتغذية نرجسيته وتتساقطُ أخلاقه فلا يعاملهم كأصدقاء ولا أحبة بل يرميهم عند انتهاءِ رغبته مدمرًا حياتهم وسمعتهم.
يستمتعُ بكل لحظة لأن شابٌ وخائف من الموت والعجزِ والبشاعة، لكنه يقتلُ روحه بنفسه ويشوّه جمالها مع كل فعل، وبذلك يغدو دوريان كل شيء يخاف منه، بروحه المسمومة بأفكار سابقة للورد هنري وكتاب أهداه إياه، وبأفعاله والزمن اللذين لا يرتسمان عليه بل على روحه التي تسكنُ اللوحة يتحوّل لوحشٍ بشعٍ داخليًا لا ظاهريًا.
لكن المجتمع رغمَ ما يهمس به عنه إلا أنه لا يزال يتبعهُ، لا يزال مبهورًا به، ولا يزال دوريَان بجماله وعنفوانه وثقته وتفاصيله محطّ الأنظار.
عالقٌ في حالة مستمرة من الشباب الضائع في اللذات الحسية التي لا تدرُّ بالمعنى ولا المغزى من وجودها لانها لحظية، يتحول شبابه المخلّدُ لمنطقة نفيٍ ونبذ لذاته، فردانيته طوقٌ حول رقبته، وسرُّ اللوحة ينهشُ لاوعيه.
في أحد المشاهد تطلب احدى الدوقات المتقدمة في السن من لورد هنري أن يساعدها في استرجاع شبابها “رمز آخر لشيطانيته رغم بساطة التعبير وسخافة الموقف” فيخبرها عن رغباتها السابقة في شبابها وأخطائها ويخبرها أن تكررهم وتشعرَ بهم…
هذا هو الشباب وسرُّ خلوده بالنسبة للكاتب؟ إذا كيف ينفي أن هكذا سر لا يمكن الحصول عليه سوى بالتقدم في العمر والتمتع ببعض المطبات في الحياة.
عكس الهيدونية لا يمكن تجنب الألم والخوف في الحياة وإلا ستُمسخ لشيء لا يعطي قيمة حقيقية للسعادة والفرح مثلا، ولا يمكن إذا الشعور حقًا باللذة في العيش.
كل ما يدعو الكاتب إليه على لسان اللورد هنري -إن كان هذا مبتغاه- يسقطُ مع سقوط دوريان لأنه الدمية الأمثل التي صنعها لورد هنري بأفكاره وتأثيره.
كما يجب التنويه أن الشخصية التي حرّكت هذه الرواية بأسئلتها وآرائها، اللورد هنري نفسه لم يكن شابا وقد اكتسب سرّ خلود الشباب بعد تقدمه في السن والخبرَة، لأن اللذة والشباب لحظية والفن غامضٌ وروحاني أما الجمالُ الفني الذي يستحق التخليدَ في بكرِه لهو وليدُ الخبرة والزمن.
يقول وايلد على لسانِ اللورد هنري:” في هذه الأيام يموت معظم الناسُ بنوع ما من تراكم المنطقِ المتعارف عليه، ولا يكتشفون سوى بعد فوات الآوان أن الشيء الوحيد الذي لا يندمُون عنه حقًا هو أخطائهم.”
في هذه العبَارة يبرهن وايلد عن خوف متوارثٍ عبر الأجيال البشرية ومن من عدة أشياء :
الموت (خاصة المبكر)
نظرة المجتمع و الناس لهم.
عدم التمتع بكل ما تقدمه الحياة.
وهذه محاور قيامة وقيامِ شخصية دوريان غراي.
وربما لهذا لم أتحمل شخصيته معظم الكتاب، اكتشفت لاحقًا أنه حقيقي لدرجة مخيفة لكنه يرمز لأجزاء لا وعية فينا.
سقوطُ الضمير والأخلاق في عالمٍ يقدّس المظهر:
إن الفراغ الروحي الشاسعُ الذي سببه هوس دوريان بالجمال والإحساس التجريبي لكل مُثيرات المتعة اللحظية على حسابِ إدراكه لروحهِ وذاته والتواصل معهما قد دمّر ادراكه أيضًا بالمعايير اللازمة للاستقرار والتواصل مع المجتمع بسبلٍ غير اقبالهم على مظهرهِ وملبسه ومجوهراته وحسه الأدبي الفني..
قد عاش في فوضى لسنوات يدعوها حياةً، لاهثًا خلف أي شيء يملأ الفراغ الذي جناه على نفسهِ ببيعه روحه للوحة ثمنًا للشباب الأبدي، لكنه بذلك قد منحها ضميره أيضًا.
في أكبر منعطفاتِ وانحرافات شخصيته المتطرفَة نقرأ مشهد باسيل وهو يزوره بعد سنواتٍ من الفرقة، كذلك كان صوت ضميره ولهذا اعتبر باسيل الرسّام رمزا للضمير الإنساني الباقي.
ينصحهُ باسيل بالعدول عن هذا الطريقِ وأن يتجنب لورد هنري فقط سبق له أن ترجَّى صديقه هنري أن لا يعبث بحياة وعقل دوريان، لكنه لا يقبل، بل ويلومه على ما حصل معه ثم يريه اللوحة!
يتصاعدُ المشهد مع دراميته وشاعرية الحقيقة، يسقطُ باسيل في نوبةٍ من لوم الذات ولوم الغير، ويحاولُ دعوة دوريان للتوبة للخروج من لعنة هذه اللوحة، الأمر الذي يدخل دوريان في موجَة غضب حادة تنتهي بقتله لصديقه، عن قصد، وبعدة طعنات متتالية.
من هنا يتدهور دوريان نحو الهاوية، يصبحُ مريضا بالريبة وعودة شقيق سيبيل فاين للانتقام يزيد الطين بلة.
كل هذه الهواجس والمخاوف لا تمنعُ المجتمع من تبجيله قترة، بل يستمر في عيشه وسط نفاق الحب والتعزيز، كما نرى مجتمعنا اليوم تماما.
يغضُّ الناس طرفهم عن موتُ الضمير والأخلاقِ في الأفراد ذوي النفوذ والحسب والجمال، إن المظاهر والمادية المفرطة التي تطوّر الإنسان ليرقاها لم تسبّب له سوَى تقهقر لأدنى مستوياتِ الفحش والانحراف عن الدين والخلق.
كيف نعيشُ الحياة دون الإنقيَاد لهوى النفسِ بين معايير المجتمعِ وأسس الدين:
في النهاية كانت المحاولة البائسة لقتل ضميره وتعليقه في حائط وتغطيته بكفن الموتى محاولة فاشلة، ليس لأنه إنسان بمعنى الكلمة ولا بل لأنه خلى من الروح حين نبذها، ما يشابهُ التحول المادي البخت الذي تبعته البشرية.
لقد ذبحَ ضميره وانسانيته في معبد اللذة والأحاسيس المادية والجمالية متناسيًا أنها جزء منه، متخليًا عن المعنى في كل ما حوله والغرض عاش خاويًا من فحواه كذلك يهوم على وجهه الشاب اليافعِ والوسيم مختبئا من حتمية القدر والكائنات ألا وهو الموت.
عندما يفقدُ الانسان قدرتهُ على الشعور بحتمية الموتِ والقدر سينفلتُ منه تقديره للذات وينقاد للأهواء سواء كانت له ولغيره (كما نرَى انقياد دوريان لأهواء لورد هنري) ويصبحُ عبدًا للذة والهوى مهما بلغَ غروره بذاته.
كأنما نرجسيتهُ تعميه عن رؤية عبوديته لهوى النفس معتقدًا أنه بذلك يرفع من قدره وقيمته، لكن العكس..
ولهذا يقوم ديننا على تقويم النفس وضبطها وخفضِ الأنا المُهلكة للروح بعبادتها لله وحده وهو الكيان الأسمى والمؤثر في الخلائق الذي لا يضيعها أبدًا.
(نعم ادخل ديني حتى في الكلاسيكيات الانجليزية، هذا ممكن.)
الخوف.. وما يفعله الخوف:
تنبعُ أغلب شرور البشر من خوفٍ متأصل بهم قد لا يدركونه أو أصله أحيانًا، حين يتلاقى دوريان مع الموت وجهًا لوجه ( عند امساك شقيق سيبيل به وعندما قتل باسيل وفي كل مرة يشكُّ أنه سيقبض عليه ويشنق) يرعب دنوُّ النهاية كيانه حتى يجعله يهاب كل شيء حوله..
يستفحل فيه مرض الخوف المقيت حتى يسلبه ما ضحَّى بروحه وضميره لأجله ألا وهو لذة الاحساس بالحياة دون مسؤوليات أو قيود.
وهكذا حتى حين ظنّ أن الاستعجال بفعل خيّر سيمسح عنه بعض ما به يعود للقاع لأن مرض النفس والغرور قد أكله من الداخل ولا يبقى له من سبيل ليعود إنسانًا، بل إنه لم يشأ قطع كل الطريق للتوبة والسماح.
وفي آخر أيامه نجده يلوم جماله وحسنهُ على نفقات أفعاله، كأنما انخدعَ بخدعته وظنّ حقا أن جمال مظهره وكثرة أمواله تعطيه المعنى والقيمة. وهو قاتل للخلق الجميل والطُهر والعفة والثقة، جشعٌ للذاته وعبد لأهوائه، مُستغلٌّ سامٌ وفاسد، لم يكن جماله الذي خُلق به سببا في ذلك بل كان ما فعله به..
أمنيته السقيمة وكبره وبؤس فهمه لما حولهِ. خوفُ دوريان من أن يخلّد جماله وشبابهُ وأن لا يعيشه قد دمّره تماما وقضَى عليه.
وعندما حاول قتلَ اللوحة التي جعلت كل هذا ممكنًا أخيرا والتي تمثل روحه ليعودَ للمادة والجسد، نسي أن الجسد لا يخلّد دون روح، ولا يعيش دون ضمير ولا يمكن للقاتل أن يعود انسانًا سويًا دون توبة وقصاص.









