تدبّر القرآن | القراءة لا ولن تكفي إن كان الكتَاب أعظمَ معجزات الكون.
لماذا ندرسُ القرآن ونتدبّره بأنفسُنا ونحن محاطون بكل هذه التفسيرات والشروحات والثروة المعرفية ؟
قال الله سبحانه وتعالى:
{ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ.}
تدبّرٌ في القرآن:
إن فصل الكتاب المُنزّل من الله عز وجلّ على عباده عن التفكّر والتدبر بموجب أن التفاسير والعلماءَ لا بد وأن ظفروا بكل ما يمكن الظفر به في المصحف، وأن رسالاته حكرٌ وملك لا يجبُ لأي كان المساس به لهو تناقض مبني على جهالة بأساسيات قراءة هذا القرآن.
أولا:
لأنك تقع في غلط بين ما وصت به الآيات من ضرورة التدبر وبين الخوف من بلوغ علمٍ به وبهذا العزوف عن العمل بما جاء فيه وهو في نفس الوقت عكس ما طلب الله منا في الكتاب الكريم.
ولو كان منا له التقديس أليس من المفترض أن نطبّق تعاليمه؟
ما يقودنا للتفكير بأن تلك العوائق مجرد أسباب لا منطقية فتقديس الشيء يستلزم معرفة حقة به.
ثانيًا:
تصعيب ما يسّره الله من تعلّم وتلقين في كتابه حين قال :{ ولَقد يسّرْنَا القُرآنَ للذكرِ فهَل من مدَّكِرٍ} والقول أن هذا يستغرق وقتًا يمكن اختزاله بالاطلاع على التفاسير بين الفينة والفينة، وهذا تسليم أعمى يُميت العقل ويسلب التجربة روحانيتها، فأنت تحرم نفسك من لذة التفكر في كتاب الله الذي بَني به دينك وحضارات عريقة يحتذى بها في الحنكة والترابط والقوة.
ثالثًا:
الاكتفاء بما جاءت به عقول مشابهة لعقلك غير أن الكسل والضعف يمنعك من اعمال عقلك ويقطع علاقتك بالقرآن الكريم فتقضي زمنًا تبحث عن الأجوبة في الأماكن التي لا توصلك للجواب الوافي الكافي الالهي الذي لا يخطأ ولا يحتاج تنقيحًا منذ مئات السنين وإلى آلاف السنين.
لماذا نتدبّر القرآن؟
إن تلخيص الظاهرة الكونية العظمى التي يمثّلها القرآن الكريم في مجرد الترتيل والقراءة الخفيفة كأنما هو كتاب معلوماتٍ قديم لا يقدّم شيئا في عاصرنا ولا يمكن التفاعل بين وبين واقعنا قد نتج عنه أجيال من المسلمين بما جاءَ عن غيرهم عن القرآن وليس مسلمين بالله موحدين له ومؤمنين بكتابه وسنة نبيه.
و نقول هنا ظاهرة كما جاء كتاب مالك بن نبي “الظاهرة القرآنية” والذي يبين فيه كيف استطاع منطلق الوحي ومعجزة الفكر أن يغير الفرد والمجتمع ثم الحضارة كلية في ذلك الوقت بما له من تأثير على النفوس والقلوب والعقول.
من هذه النظرة يمكننا البدء في تقسيم جوابِ السؤال:
١. القرآن هو كتاب المنهَج الذي اختاره الله تعالى لاستقامة البشرية.
٢.لا يمكن استنباط المعلومات منه دون فهم النماذج المقدمة في الآيات.
٣. بما أنه سبب بناء الحضارة الإسلامية المستمرة ليومنا هذا فهو لا محالة كتاب يتفاعل مع واقعنا الماضي والحاضر.
٤. تأثيره الفكري نابع من معرفة قلبية وجدانية لا تتحقق إلا بالقراءة العميقة والتدبر والفهم.
ما الذي يمنعنا إذا من تدبر القرآن والعمل به إن كان هو المنهج الشامل للدين؟
.لأننا ببساطة لا ندرك ذلك ولا نعيشه
على مدار السنواتِ اقتصرت دراسة النص القرآني على العلماء المخضرمين بموجب أن لا يكون هناك دعاة معرفة به يقولون هواهم فيه ( وقد رأينا أن هذا لم يمنع انتشارهم بل زادهم لأن نسبة الجهل بالقرآن طغت على العارفين بقيمته الحقيقية ما جعل أخذ الآية دون سياقها وتحريف معناها أسهل وأسيب.)
وفي سبيل هذا كان هناك تخويف جماعيٌّ من المساس بما ليس للبقية به علم من الكتاب.
المشكلة هنا أن الجهل بأساس دينك الذي تعتبره حياتك وقع على يديك وليس لنقص آخر في الدين، وإن كنا نعتبر إسلامنَا شامل لجميع أوجه الحياة أليس حري بنا أن ندرسه لنفهم ديننا؟
وإن كان القرآن منهج صراطه المستقيم فكيف سيكون المسلم إن ابعدته عن منهجه وطمسته عن تعاليمه اليومية واحتكرت عنه زاده العلمي الذي أنزله الله تعالى ليوجّهه؟
سأخبرك كيف يكُون:
انظر حولك للتحولِ نحو النفاق والشقاقِ والرياء وفساد الفرد والمجتمع ، عزل المنهج عن التطبيق واقفال أبواب التفكير، وفرة النهاة والدعاة دون أثر اصلاحي حقيقي، وتقديم العادات على الدين والتعصب والدغمائية، حالة من الضياع للعقول والقلوب وتدني في السلوكيات التي حثّ عليه الكتاب والسنة.
غثاءٌ لا وزن له، إلا أن حجمهُ وفوضاه غزيران.
ثم يغدو المسلم الحق المثابر غريبًا بين أهله رويدًا حتى صار بذاته ظاهرةً غريبة.
كيف نعيد علاقتنا بالقرآن؟
إن مشكلتنا تبدأ من اعتماد التسليم الأعمى الذي يؤدي بنا إلى الجمود والتشتت ثم الضياع عن نهج القرآن، ولا يمكن لهذه المعضلة من حلٍّ سوى اعمال العقل وتسخيره الحقِّ وحسن التدبر في آيات الله، ذلك باستشعَار أنها معجزاتٌ حقة منزلة من الله عز وجل تستحقُ التعظيم.
لكن قبل كل شيءٍ هناك سر واحد يعتبر مفتاحَ العودة:
إنه نية القلب الخالصة بأن تجعل هذا الكتابَ نهجًا لك وأن تسخّر من ذاتك لفهمه واستيعابه.
إن الإخلاص للقرآن يشملُ اعطائه الأولوية في فهم كل زوايا الحياة، إن قررت ونويت فإن الأبواب ستفتح عن القلوب ومن ثم عن العقول من ثم سينزلُ السكون على الجوارح، يغمرك سكونُ العارف بقدرة الله والمسلم بألوهيته وربوبيته.
مفاتيح أبواب القرآن:
بعد النية السليمة وانفتاح القلب والوجدان على هذه العبادة العظيمة تنطلق لتدبر أول النقاط وأولاها ، أي إن بدأت باختيار السور التي تعينك وتعنيك مباشرة في الوقت الحالي سيكون التفاعلُ أسرع والطريق أيسر.
ثم ودون أن تشعر ستجدُ أنك تحتاج المزيد ودراستك وتدبّرك سيقودك لتتفرّع ملتقطًا المعاني والعِبر، مُسقطًا صور السورِ في لوحاتِ حياتك فتحيا..
ستحيا بالقرآن وستدرِك أن هذه العبارة ليسَت مجرّد كلمات دينية غير واقعية بالنسبة لك.
• وإن تزوّدت في الطريق بخير الكتب ونوّعت منها لتجدَ الحق فيها فهذا معين لك لكن من أفضل التفاسير هو تفسير القرآن بالقرآن.
• القراءة الجزئية وأخذ ما تهواه النفس لتفسير القرآن وعزل الآيات إثم في الدين وإثم في حق عقلك وإيمانك.
القراءة المتأنية التي تهدف لالتحليل والتفكير في ما يعرضه القرآن من سلوكيات عاصرت وقائع تاريخية وتفاعلت معها ليمنحنا قواعدًا شاملة للحياة وفكرًا أزليا لسبيل عيش هذه الحياة بما يُفلِح الإنسان فيها مفتاح آخر نحتاجه.
• تطبيقُ ما نفهمه واسقاطه على واقعنا الحالي بعد البحث عن المعاني والتفكّر فيها مفتاح.
• بناء الثقة مجددًا بأن هذا الكتاب هو المرجعية الأولى لبناء الوعي الفردي الذي يبني الحضارة مفتاح.
• استحضَار القرآن في يومك وفي بأسك وجذلك وبين الصلاة والراحة والعودة إليه كلما اشتدّت الأمور أو يسرت مفتاح آخر.
• علينا إعادة إحياء الوعي بالقرآن فينا فمظاهر التدين الشكلية قد نخرَت أسس المجتمع وأسدلت الظلمة على النفوس بعد أن ابتغى لها الله نور الحق والحقيقة.
التدين الواعي لا يكون إلا بتكوّن الفكر وتهذيب العقل والنفس على المنهج والمعنى القرآني الذي يثير العقل والقلب ويفيض على الجوارح والسلوك.
نختم حديثنَا بإضافة مهمة:
إن حمد الله على نعمةِ الهداية من أعظم الأسباب التي جعلتني اتجه لفهم القرآن هذه السنة وتجاوز القراءة المكررة.
الاستيعاب الكامل لنعمة الله في تنزيل القرآن وارسال نبيه وبعث الرسالة الفكرية الدينية الشاملة وجعلي من أمتها!
..أتتخيلون أننا نعيش دونها؟ لكننا نفعل ما هو أسوأ
نحن نعلم الرسالة والمنهج لكننا لا نتعلمه ولا نعمل به.








" أتتخيلون أننا نعيش دونها؟ لكننا نفعل ما هو أسوأ "
نعمة أن تولد مسلما بالفطرة وفي بلد إسلامي هي من أعظم النعم التي تستحق الشكر مع كل نفس يتنفسه الإنسان!
من تجربتي الشخصية على مدار السنوات الصعبة التي عشتها كان ولا يزال القرآن وكلام الله ينير طريقي و يؤنس وحشتي ويشد من عزمي!
أتذكر أنني قبل فترة قريبة و في مرحلة صعبة تمنيت أن يكون لدي دليل إرشادي للتعامل مع هذه الحياة و استوعبت أننا بالفعل نمتلك هذه البوصلة في القرآن وسنة الرسول!
مقال رائع لامس الكثير بداخلي و توافق مع رغبتي مؤخرا في تعلم القرآن وتدبره.
هل لديك توصيات لكتب تفسير القرآن؟
كتب تناسب رحلة المبتدئين .
مقال في غاية الحُسن و الافادة، جزاك الله خيرا