الإنمساخُ الذاتي للإنسان: تحليل رواية التحول لكافكا.
ملاحظة: يتحول غريغور إلى نوع من الحشرات الكبيرة ما ان يستيقظ، قد تكون هذه أفضل بداية روائية قرأتها منذ سنين إن لم تكن الأفضل.
بداية:
تحية لكافكا الذي استطاع تبسيط واقع العيش في نظام رأس مالي خانق يطالبُك بروحك وحياتك وتفكيرك مقابل أن يسلبكَ كل ما يجعلك انسانًا بحيث ينبذُك لقعر البشرية فيحولك إلى حشرة مقرفة يشمئز منها القريب قبل البعيد إن أصبحت بلا مردودية ولا قيمة بالنسبة لهذا النظام. وانعدام التواصل والفهم مع محيطك وحتى أفراد الأسرة الواحدة وإن كنت المضحي الأسبق، لأنك يجب أن تبقى مضحيا دومًا وهنا ستكون نهاية العمل.
لكن لماذا قد يتحول غريغور لحشرة ضخمة دون أي شيء آخر؟
يمكن ملاحظة عدة سمات مما تم وصفه في سلوك وأفكار غريغور و ربما أهمها أن ردة فعله اتجاه تحوله كانت غريبة، طريقته في كنسِ المشكلة بعيدًا عنه وعن خانة الأهمية القصوى والطارئة ، كأنما ليس لديه وقت لمعالجة هذه المشكلة ولا.. هو حتى لا يرى تحوله مشكلة بل ما يعرقله عنه ألا وهو عمله وموعد استقلال القطار.
من هنا ننطلق في فهم فكر غريغور، إن اختفاء ذاته وذوبانها داخل ما يتوقعه منه الآخرون منه وما يريحهم أكبر من أن يرى هو مشاكله وتوقعاته لنفسه.
انه ليس حشرة في جسده بل في عقله، حشرة تفعل ما يجب أن تفعل دون أن تستطيع تقرير مصيرها في عالم أكبر منها— العالم هنا هو توقعات عالمه وبيئته.
باسقاط هذه الفكرة على الواقع، فإن غريغور قد استسلم تماما ومنذ وقت طويل للنظام وانبطحَ له، وهذه الصفة تشابه الشكل الذي تحول عليه.
ثانيًا: لا يمكن رؤية أي طبيعة بشرية في أقواله وأفكاره بعد التحول ما يبدو كأنما هذه ليست أول مرة أو أن التحول تخلّل وعيه بذاته.
قد يكون تحول غريغور قد حدث من زمن قبل أن يتحول حقا، لقد سُلبت منه قدرته على التأثر، الاندفاع والانعكاس أو حتى الحزن.. لسخرية الأمر أنه عند استيقاظه قد انتبه لتحوله لحشرة لكن مظهر الضباب في النافذة هو ما جعله يشعر بالكآبة، كأن ما تبقى تجربة لا تخصه.
ثالثا: لا يستطيع تقبل وضع غيره في موقف قد وضعوه فيه سابقا، كأن يطلب عون عائلته التي بسببها يعمل عملا يقهقر مسار حياته.
لا يطلب المساعدة ولا يستطيع حتى تكوين فكرة عن ما تعنيه الحاجة لها.
وحتى وهو في أسوأ حالاته ومصائبه وبعد تخلي الجميع عنه وانكفائهم على ذواتهم وتجمهرهم خارجًا، في غرف مغلقة عنه، تعكس صدهم له، وعنوفهم عن رؤيته في مصيبته، لأنها بشعة ولأنها أيضا غير منطقية ولا يمكن تخيل حل لها عند رؤيتها – وهذا كريه بالنسبة للبشر– فغريغور لا زال مستمرا في لعب دور الحامي والطفل المثالي الذي عليه في أي حال وصله أن يظلّ مرتديا دوره وأن يفكر في عائلته قبل كل شيء.
بل أجزم أنه لا يعرف غير هذا سبيلاً لوضع وبناء هويته.
رابعًا: أزمة هوية.
إن هوية غريغور قد تم إلغاؤها بعد تحوله لكنها قبله قد كانت مضمحلة أساسا، لم يكن يظن أن أحدًا يفهمه، حديثه عن ادخال اخته لمعهد الموسيقى سبيل له لتحقيق ما لم يحققه هو حول طموحاته التي سرقتها حاجة عائلته، بل أنانيتهم في تقويض حياته وتسخيرها لهم، فرغم أن الخطأ قد وقع بسبب الأب كان على غريغور تحمل مسؤولية ذلك.
قد لا يبدو ذلك كأنانية بل كواجب :
إعادة تسديد دين الوالدين لهو أحد أكبر حيل تشويه الذات في البشرية ، لا يمكن لقرار تم اتخاذه من قبل شخصين أن يتمدد ليتحمل نتائجه أشخاص اخرين ودفع ثمنه بحياته ورضاهم فيها حتى.
إن هذا الدين الأزلي المزعوم يتيح التحكم بحياة الأبناء في سبيل انقاذ ذات الوالدين من الاضمحلال ومن بعده الموت، هذا هوس الإنسان بالخلود ما يجعله يتقلد مقلد الرب في حياة أبنائه مخافة أن يستشعر ، حقيقة وبكل حواسه مرارة استيعاب النفس أنها ايلة للزوال، لاخالدة، لاأبدية.
نقف هنا لتعقيب عن هذا لأنه حتى وإن كانت فكرة مرة للابتلاع إلا أنها حقيقية غالبًا لكن البشر يختارون النظر للجهة الأخرى لتختفي. كما أن هذا التحكم يتوسّع ليشمل مدراء العمل والمسؤولين وإلى فوق الهرم حتى نصل أساس تمكين النظام العالمي الجديد الذي حوّل البشر لآلات سدّ دين على حياتهم.
لقد تم استغلال غريغور لخمس سنوات ليسدد دين والده الذي اخفى حقيقة انه يمتلك بعض الذخائر المالية عنه، وحتى أنها قد تدر فوائد مستقبلية مخافة أن يتسيب منه التحصل على ماله=التحكم به.
حتى ادخارهم لماله لم يخبره به أحد، حتى وصلت لحظة توقفه الكلي عن تقديم العون لهم، هنا نقف أمام فاصلة هامة: قيمة غريغور في العائلة قيست بما يمكنه تقديمه ، أي تقنيا –ولا يمكن الجزم هنا إن كانت هذه طريقة الكاتب في وصف الأمر أو مجرد انعكاس نفسي ذاتي على معاناة الشخصية الأساسية حيث يرى القارىء ما يألفه هو وما يعتقده (تسرب المعتقد للعمل )– نظرة غريغور لنفسه على أنه أصبح عائقًا ومصدر غم لهم لم تأتي من فراغ تام.
هو حقًا لا يعرف قيمته و منه هويته دون أن يختفي تماما كإنسان له طموحات وأفكار واحتياجات ويتحول إلى شيء يقدّم لعائلته ورب عمله ومستخدميه كل جهده ووقته وعقله.
لذا لا عجب أنه تحول بل العجب لما تحول لحشرة؟
لا بد أن هذا كان من قبل تحوله، فالاغتراب النفسي النابع عن عدم فهم المحيط لك كان واضحًا حتى في بداية تحوله وقبل ان يستوعب ووسط روايته لذكرياته، نجده يقف كالغريب وسط منزله أو كأمر مستمر روتيني فلا أحد يبادر لفهم أو سبر غوره طالما يفعل ما يفترض به أن يفعل.
في الواقع قد يكون التحول أفضل ما حدث له، فها هو تخلص من عبء عمله وعبء المردودية الذي طمس هويته وعبء التفكير حتى، لكن..
هل الإنسان الذي لا يفكر يستمر في كونه إنسانًا؟
تحول غريغور وصل إلى تحول عقلي وليس جسدي فقط، عند سماع صوت أمه وأفكارها التي تجمع بين المنطق والعاطفة وهما توازن بحت بين الطبيعة البشرية الإنسانية استطاع تذكر أن رغبته الخفية في افراغ الغرفة ليلهو كحشرة لهو دليل على استسلامه لهذا الجسد الذي كان بداية يراه غريبًا.
لكن هل حقًا رأى نفسه غريبا عند تحوله أو قبله؟
تحوله هذا بدأ في التأثير على طريقة تفكيره وحتى رغباته، وهنا نقف أمام احتمالية أن يكون تحولا أبديا ، تحولا كيميائيا لا يمكنه العودة منه.
حتى ومع عدم تحمله لنقل الأثاث والذي يرمز جليًا لخلل في اعتباره بشرا والأسوأ أنه سيدفعه دفعا نحو هاوية “الحشرة” والبقاء في طبيعتها والابتعاد عن طبيعته الإنسانية السابقة، لم يتمكن من معارضة امه واخته مخافة أن يوجع خاطرهما أو يتسبب بشيء من عدم الارتياح إن نظرا إليه.
وعاد يسوي نفسه للأرض أكثر ويخبىء نفسه أسفل السرير أكثر وهذا في ذاته انسحاب لطبيعة الحشرة.
يبدو أن غريغور كان ليتحول لحشرة دومًا حتى لو لم يتحول جسديًا.
في نهاية ذلك المشهد:
استطاع غريغور الخروج عن صمته أخيرا عندما آن أوان انتقاص انسانيته حدا لم يتمكن من تحمله أو أنه فقط صوت أمه، حتى أنه فكر في مهاجمة أخته لو اخذت آخر ما تبقى من ذكراه كانسان ألا وهي لوحة سيدة الفراء.
لكن فعله تسبب بأزمة تنفسية لأمه ما دفعه للتفكير مجددا بما يفعله والتخبط في الغرفة كما يتخبط هو في إيجاد ذاته وحيدا مخذولا ومتخلا عنه.
خامسًا: التواصل.
يظهر جليًا وحتى قبل التحول قلة التواصل المفيد مع أسرته لكن بعد تحوله قد أصبح هذا روتينا قاسيا لدرجة أنه لم يعد يرى من طائل لشرح أو توضيح نفسه ولا يبدي رد فعل تجاه أفكارهم عنه وقراراتهم حتى تلحق به ضررا جسيما لا يمكن تحمله.
بالتفاحة عالقة في ظهره كرمز لكره والده له واستمرارها هناك كرمز لعدم قدرة أي من أولئك الذين احبهم وضحى لأجلهم من أن يكلفوا أنفسهم معاناة الاقتراب منه حتى ، تحول غريغور كليًا لصرصار على جدار.
مخلوق غريب عنهم، من فضاء آخر، ولا يمكنهم حتى رؤيته أو الشعور بمعاناته دون معاناتهم.
ثم صاروا يعاملونه كالقمامة وهكذا شعر والأدهى أنه أحيانا يشعر بالارتياح لذلك.
“ وقد كانت فكرة اختفائه قد أضحت أكثر ترسخا لديه.”
وقد مات فقط حين شعر أنهم يفضلون ذلك منه، كأنما حياته ومماته كانت دوما تضحية لهم ولأجلهم رغم أنهم في مصيبته لم يستطيعوا حتى فهمه أو الإشارة إليه ككيان، كإنسان أو كغريغور، لأن غريغور لم يعد غريغور. ليس لأنه تحول لحشرة وحشية خاملة بل لأنه لم يعد منه رجاء ولا جدوى ولم يبقى أمل باستعادته.
وهكذا ، كانت الخادمة التي تهينه قد اعتبرته ذا وعي وذكاء بينما لم تستطع عائلته ذلك.
وكما كانوا أنانيين في حياته ثم في تحولهم كانوا في موته، حد أنهم لم يرغبوا أن يدركوا له قبرا أو ذكرى.
تحول غريغور لم يكن له فحسب بل مجرد تعويذة اُلقيت على جميع من في المنزل.
تحول الأب من شيخ مرهق كان دوما يتكل على غريغور كنسخة تعنى بمشاغل ومسؤوليات حياته إلى استرداد ضخامته وحنكته وقوته.
وتحول الاخت من مساعدته إلى النفور منه ومن مسؤوليته وهو الذي كان سيقضي مزيدا من سنوات العمل لادراجها في معهد موسيقي حيث تحقق حلمها في حين لم يستطع هو حتى الاحتفاظ بما له من كرامة حياة.
وتحول الأم من الحنان والرعاية إلى الاشمئزاز منه وتركه وعدم الاكتراث حتى بطريقة موته أو دفنه.
وهنا نلاحظ أحد أبشع الأوجه للطبيعة البشرية، كنت لأصفه بالحيوانية لو أني أرفض الانقياد للوصف لا لكرامة الانسان بل لكرامة الحيوان أيضًا..
ثم نتذكر مشهدًا واقتباسًا يُعنى بهذه الفكرة :
فهل كان حيوانًا مع أن الموسيقى تستثير" انفعالاته إلى هذا الحد؟”
في النهاية يجدر التنويه إلى أن ترجمة العنوان مهمة، في اللغة الأولى للكتاب الألمانية كان العنوان الذي اختاره كافكا هو Die Verwandlung وهو التحول.
لكن في اللغة العربية قد تجد من يترجم العنوان إلى “المسخ” أو “ الانمساخ” لكن ليتتم عملية المسخ يتحتم وجود طرفين، الممسوخ والماسخ، لكن في هذا العمل يستيقظ غريغور فجأة ليجد نفسه حشرة دون سبب واضح ومنه لا يوجد ماسخ لنطلق على غريغور اسم ممسوخ.
أثارت هذه الملاحظة الصغيرة خلايا عقلي عند قرائتها في آخر الكتاب، لذا فكرت بالأمر محاولة ربط هذه النقاط:
الانمساخ
التحول
الانسلاخ
Metamorphosis
الذات والهوية
الرأسمالية
الإنسان في حيوانيته (فطرته).
وكيف أن هذا العمل الأدبي الصغير ربطها جميعًا بعبقرية فذة، فلا عجب من شهرة الكتاب طيلة هذه السنوات.
لكن.. ما رأيكم بالفكرة؟








كنت بستغرب كيف إنه حتى قدام نفسه يعتبر نفسه حشرة، أسقط نفسه لأدنى صورة، وعامل نفسه على ذا الأساس، والواضح كان يحاول يتأقلم بس يوم تعامل أهله معاه تغير، هو كمان صار يتعامل مع نفسه بذات أسلوبهم معاه.
ليش لفتني هذا الشيء؟ لأن زي ما قلتِ كان الانمساخ مش موجود -الطريق ليكون ممسوخ- هو وجد نفسه فجأة مسخ، صار الممسوخ؛ الأمر خارج عن سيطرته تمامًا، فليش يُعاقب على شي خارج عن سيطرته؟
بالنسبة للانمساخ، ممكن نظام رأسالمالية يكون تبرير منطقي ومقبول، الحين صرت أشوفه التبرير الوحيد المقبول ✋️
بروح أقرأ الرواية لأن ما قريتها وجاي أناقش على طول.